حقائق غائبة حول استشهاد الحسين رضي الله عنه وأحداث كربلاء (6)

8 ـ رأي ابن تيمية وابن كثير في ما يحدثه الشيعة يوم عاشوراء:
أ ـ قال ابن تيمية: وصار الشيطان بسبب قتل الحسين رضي الله عنه يحدث للناس بدعتين بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي وما يفضي إلى ذلك من سب السلف الصالح ولعنهم وإدخال من لا ذنب له من ذوي الذنوب حتى يسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب وقصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرم الله ورسوله . والذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع… وإذا كان الله قد أمر بالصبر والاحتساب والاسترجاع… وإذا كان الله قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة، فكيف مع طول الزمان؟ فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من إتخاذ يوم عاشور مأتماً وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاد قصائد الحزن ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدنيا.

ب ـ وأما ابن كثير فيقول: فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه هذا الذي وقع من قتله رضي الله عنه، فإنه من سادات المسلمين وعُلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخياً ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء وقد كان أبوه أفضل منه وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة وقد قُتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب، وهو أفضل من عثمان وعلي، قُتل وهو قائم يُصليّ في المحراب صلاة الفجر وهو يقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه، ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله ولم يتخذ أحد يوم موته مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادّعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه الحسين بن علي عن جدّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها، فيُحدثُ بها استرجاعاً إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب بها . يقول ابن تيمية تعليقاً على هذا الحديث: هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التي شهدت مصرعه وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر يوم أصيب بها المسلمون وأما من فعل مع تقادم العهد بها ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.

9 ـ من يتخذ عاشوراء عيداً:

هم من النواصب، والنواصب إحدى طوائف أهل البدع التي أصيبت في معتقدها بعدم التوفيق للاعتقاد الصحيح في الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فقد زين لهم الشيطان عدم محبة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وحملهم على التدين ببغضه وعداوته والقول فيه بما هو بريء منه، كما تعدى بغضهم إلى غيره من أهل البيت كابنه الحسين بن علي رضي الله عنهما وغيره فالنصب هو بغض علي رضي الله عنه والنيل منه والإنحراف عنه، وسمي من كانت هذه صفته ناصبياً، فالنصب كالرفض لأن الرفض هو بغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل منهم بالشتم والسب وكلاهما ضلال وابتعاد عن منهج الله، في وجوب حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة سابقتهم في الإسلام وجهادهم بأنفسهم وأموالهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا كانت الشيعة اتخذت يوم عاشوراء مأتماً وحزناً اتخذته طائفة أخرى عيداً وموسماً للفرح والسرور وهم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته رضي الله عنه، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والإختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح مقابلة لأولئك وهي بدعة ثانية ومما ورد في ذلك من أحاديث موضوعة ومكذوبة ما يلي:

أ ـ حديث: من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سنته.

ب ـ ابتداع صلاة مخصوصة في يومه وليلته: روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى لله يوم عاشوراء ما بين الظهر والعصر أربعين ركعة يقرأ في كل رقعة بفاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي عشر مرات وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة والمعوذتين خمس مرات فإذا سلم استغفر سبعين مرة أعطاه الله في الفردوس قبة بيضاء ، وغير ذلك من البدع التي أحدثت في ذلك اليوم والتي لا أصل لها في دين الله عز وجل . وقد سئل ابن تيمية عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع فهل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث صحيح أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روي أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين لا صحيحاً ولا ضعيفاُ. ولا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة وإنما حصلت هذه البدع في يوم عاشوراء، لأن الكوفة كان فيها طائفتان طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة وإما جهال وأصحاب هوى وطائفة ناصبة تبغض علياً وأصحابه لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى . فوضعت الآثار في الاحتفال بعاشوراء لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً، فوضع أولئك آثار تقتضي التوسع فيه واتخاذه عيداً وكلاهما باطل. فهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال . فمن جعل يوم عاشوراء مأتماً وحزناً ونياحة، أو جعله يوم عيد وفرح وسرور فقد ابتدع في الدين وخالف سنة سيد المرسلين.

10 ـ هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء:

يوم عاشوراء من الأيام الفاضلة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها، فجاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا الدهر كله، وصيام عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده، وصيام عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان ، فالسنة إذا في اليوم هذا الصيام فحسب وقد صامه صلى الله عليه وسلم وأخبر بفضل صيامه كما في الحديث السابق وأمر بقيامه، فقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.

أ ـ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان فلما افترض رمضان. قال: صلى الله عليه وسلم: إن عاشوراء من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه.

ب ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه. وعنه أيضاً قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: بصوم يوم عاشوراء العاشر.

جـ ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع . وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوماً وبعده يوماً.

ولقد ذكر العلماء أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب:

أ ـ صوم التاسع والعاشر والحادي عشر لحديث: صوموا قبله يوماً وبعده يوماً.

ب ـ صوم التاسع والعاشر لحديث: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع.

جـ ـ إفراده بالصوم أي صوم يوم عاشوراء وحده، للأحاديث الدالة على تأكيد صومه .

فهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء ومن هنا تتجلى وسطية أهل السنة والجماعة فلا إفراط ولا تفريط إنما هو تمسك بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال لأمره رجاء لثواب الله تعالى.

ثانياً : التحقيق في مكان رأس الحسين رضي الله عنه:

إن سبب الاختلاف في موضع رأس الحسين رضي الله عنه عند عامة الناس إنما هو ناتج عن تلك المشاهد المنتشرة في ديار المسلمين والتي أقيمت في عصور التخلف الفكري والعقدي ـ وكلها تدعي وجود رأس الحسين ثم إن الجهل بموضع رأس الحسين جعل كل طائفة تنتصر لرأيها في إدعاء وجود الرأس عندها وإذا أردنا التحقيق في مكان الرأس فإنه يلزمنا تتبع وجود الرأس منذ إنتهاء معركة كربلاء . لقد ثبت أن رأس الحسين حمل إلى ابن زياد فجعل الرأس في طست وأخذ يضربه بقضيب كان في يده، فقام إليه أنس بن مالك رضي الله عنه وقال: لقد كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم بعد ذلك تختلف الروايات والآراء اختلافاً بيناً بشأن رأس الحسين رضي الله عنه ولكن بعد دراسة الروايات التي ذكرت أن ابن زياد أرسل الرأس إلى يزيد بن معاوية وجدت أن الروايات على النحو التالي، هناك روايات ذكرت أن الرأس أرسل إلى يزيد بن معاوية، وأخذ يزيد ينكث بالقضيب في فم الحسين، الأمر الذي حدا بأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه على أن ينكر على يزيد فعلته، ولكن هذه الرواية التي ذكرت وصول الرأس وتعامل يزيد معه بهذا النحو ضعيفة . وقد استدل ابن تيمية على ضعف هذه الرواية: بأن الذين حضروا نكثه بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق ، ومما يدل على فساد متن هذه الرواية هو أن متنها مخالف لتلك الروايات الصحيحة، والتي بينت حسن معاملة يزيد لآل الحسين وتألمه وبكائه على قتل الحسين رضي الله عنه ، وقد قال ابن تيمية: ورأس الحسين إنما حمل إلى ابن زياد وهو الذي ضربه بالقضيب كما ثبت في الصحيح ، وأما ما حمله إلى عند يزيد فباطل، وإسناده منقطع، وقد ذهب ابن كثير إلى ذهاب الرأس إلى يزيد فقد قال: وقد اختلف العلماء في رأس الحسين هل سيّره ابن زياد إلى الشام أم لا؟ على قولين الأظهر منها أنه سيّره إليه،، فقد ورد في ذلك آثار كثيرة والله أعلم ، وهو ما ذهب إليه الذهبي .

وقد ذكر بأن رأس الحسين مقبور في ستة مدن وهي:

1 ـ دمشق: ذكر البيهقي في المحاسن والمساوئ: أن يزيد أمر بغسل الرأس وجعله في حرير وضرب عليه خيمة ووكل به خمسين رجلاً ، وساق ابن عساكر بإسناده عن ريا حاضنة يزيد بن معاوية أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث فجيء به فبقي عظماً فطيبه وكفّنه، فلما وصلت المسودّة ، سألوا عن موضع الرأس ونبشوه فالله أعلم ما صنع به ، ورواية القصة ((ريا)) هذه ذكرها ابن عساكر ولم يذكر فيها جرحاً، ولا تعديلاً وتكون بذلك مجهولة ، وبذلك تكون رواية ساقطة لا يعتمد عليها بأي حال من الأحوال ، وقد أورد الذهبي بإسناده عن أبي كريب قال: كنت فيمن توثب على الوليد بن يزيد بدمشق، فأخذت سفطاً وقلت فيه غنائي، فركبت فرسي، وخرجت من باب توما، قال: ففتحته، فإذا فيه رأس مكتوب عليها، هذا رأس الحسين بن علي، فحفرت فيه بسيفي فدفنته ؟. وهي رواية ضعيفة جداً . ومن ناحية أخرى ما هي فائدة يزيد في احتفاظه برأس الحسين وجعله في خزائن سلاحه .

2 ـ كربلاء: لم يقل أحد بأن الرأس في كربلاء إلا الشيعة الإمامية، فإنهم يقولون: بأن الرأس أعيد إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من القتل، ودفن بجانب جسد الحسين رضي الله عنه وهو يوم معروف عندهم يسمون فيه زيارة الأربعين ويكفي أن هذا القول إنما تفرد به الشيعة الإمامية وهم ليس عندهم في ذلك أي دليل أنما أقاويل عارية من الحجة والبرهان وقد أنكر أبو نعيم الفضل بن دكين على من زعم أنه يعرف قبر الحسين رضي الله عنه ، وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفي أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه .

3 ـ الرقة: لقد انفرد سبط ابن الجوزي بإيراد خبر يذكر أن الرأس قبر بالرقة وقال: إن الرأس بمسجد الرقة على الفرات وأنه جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: لأبعثن إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان وكانوا بالرقة، فدفنوه في بعض دورهم ثم دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، وهو إلى جانب سور هناك . وهذا خبر مستبعد فالرواية ليست مسنده ثم إن الخبر فيه نكارة واضحة لمخالفته النصوص الصحيحة، والتي ثبت فيها حسن معاملة يزيد لأسرة الحسين وتحسّره وندمه على قتله ، ثم إن سبط ابن الجوزي هذا قال عنه الذهبي: ورأيت له مصنفاً يدل على تشيعه .

4 ـ عسقلان: لقد أنكر جمع من المحققين الخبر القائل بأن رأس الحسين دفن في عسقلان قال القرطبي: وما ذكر أنه في عسقلان فشيء باطل ، وأنكر بن تيمية وجود الرأس بعسقلان ، وتابعه على ذلك ابن كثير .

5 ـ القاهرة: يبدو أن اللعبة التي قام بها العبيديون (الفاطميون) قد انطلت على الكثير من الناس، فبعد أن عزم الصليبيون الاستيلاء على عسقلان سنة تسع وأربعين وخمسمائة خرج الوزير الفاطمي صالح طلائع بن زريك خرج هو وعسكره حفاة إلى الصالحية، فتلقى الرأس ووضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والعنبر والطيب، ودفن في المشهد الحسيني قريباً من خان الخليلي في القبر المعروف. وكان ذلك في يوم الأحد الثامن من جمادي الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، وقد ذكر الفارقي أن الخليفة الفاطمي نفسه قد خرج وحمل الرأس ، وذكر الشبلنجي أن الوزير الصالح طلائع افتدى الرأس من الأفرنج ونجح في ذلك بعد تغلبهم على عسقلان وافتداه بمال جزيل ، ولقد حاول بعض المؤرخين أن يؤكدوا على أن الرأس قد نقل فعلاً من عسقلان إلى مصر، وأن المشهد الحسيني في مصر إنما هو حقيقة مبني على رأس الحسين رضي الله عنه وقد أثبت أحد المتأخرين وهو حسين محمد يوسف بأن الرأس الموجود في المشهد الحسيني هو حقيقة رأس الحسين وخطأ من يقول بغير ذلك وكان الاستدلال الذي جاء به: هي تلك المنامات والكشوفات التي تجلت لبعض الصوفية والتي جاء في تلك المنامات أن الرأس هو في الحقيقة رأس الحسين ثم أورد تأييداً لهذا القول، باستحداث قاعدة قال فيها: أن الرأس يوجد في القاهرة وذلك بسبب الشك الذي تعارض مع اليقين، واليقين هم أصحاب الكشف . وهذا الاستدلال لا يخضع إلى عقل أو منطق أو حجة علمية، أو برهان علمي ـ فضلاً عن قواعد المنهج الإسلامي في الاستدلال إن الاستدلال على وجود رأس الحسين في القاهرة كان مبنياً على استناده بأن الرأس كان في عسقلان، وقد أثبتنا قبل قليل بطلان وجود الرأس بعسقلان، وبالتالي يكون الرأس الذي حمل إلى القاهرة، والمشهد المعروف اليوم والمقام عليه والمسمى بالمشهد الحسيني هو كذب، وليس له علاقة برأس الحسين رضي الله عنه وإذا ثبت أن الرأس الذي كان مدفوناً بعسقلات هو ليس في الحقيقة برأس الحسين، فإذا متى أدّعي أن رأس الحسين بعسقلان وإلى من يعود ذلك الرأس؟ يقول النويري: أن رجلاً رأى في منامه، وهو بعسقلان أن رأس الحسين في مكان بها، عُيّن له في منامه، فنبش ذلك الموضع، وذلك في أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر، ووزارة بدر الجمالي، فابتني له بدر الجمالي مشهداً بعسقلان ، وقام الأفضل بعد ذلك بإخراجه وعطّره ووضعه في مكان آخر من عسقلان وابتنى عليه مشهداً كبيراً ، ولعلك تعجب من إسراع العبيديين لأقامة المشهد على هذا الرأس، لمجرد رؤية رجل فقط؟ ولكن إذا عرفت تاريخ العبيديين فإن الأمر لا يستغرب لهذا الحد، فإحاسهم بأن الناس لا يصدقون نسبتهم إلى الحسين، جعلهم يلجؤون إلى تغطية هذا الجانب، باستحداث وجود رأس الحسين بعسقلان، ويظهروا من الاهتمام به وبناء المشهد عليه والإنفاق على ترميمه وتحسينه من الأموال الشيء الكثير حتى يصدقهم الناس، ويقولون: إنه لو لم يكن لهم نسب فيه لما اهتموا به إلى هذا الحد؟ ثم إن هناك بعداً سياسياً أخر باستحداث وادعاء وجود رأس الحسين بعسقلان دون غيرها من المناطق التي تقع تحت سيطرتهم وهو محاولة مجابهة الدويلات السنية التي قامت في بلاد الشام، ومن المعروف أن حكومة المنتصر بالله العبيدي قد صادفت قيام دولة السلاجقة السنية التي تمكن قائدها طغرلبك السلجوفي من دخول بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة . ومما يدل على أن استحداث وجود رأس الحسين بعسقلان ونقله إلى مصر ما هو إلا خطة عبيدية، هو أنه لم يرد بأن رأس الحسين وجد في عسقلان في أي كتاب قبل ولاية المنتصر الفاطمي. وهذا مما يعزز كذب العبيديين وتحقيق أغراض خاصة لهم بذلك ، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا الرأس المزعوم بأنه رأس الحسين ليس في الأصل سوى رأس راهب . وقد نقل ابن دحية في كتابه ((العلم المشهور)) الإجماع على كذب وجود الرأس بعسقلان أو بمصر، ونقل الإجماع أيضاً على كذب المشهد الحسيني الموجود في القاهرة وذكر أنه من وضع العبيديين ولأنه لأغراض فاسدة وضعوا ذلك المشهد وقد أزال الله تلك الدولة وعاقبها بنقيض قصدها . وقد أنكر وجود الرأس في مصر كل من: ابن دقيق العيد، وأبو محمد بن خلف الدمياطي، ,ابو محمد بن القسطلاني، وأبو عبد الله القرطبي وغيرهم . وقال ابن كثير: وادعت الطائفة المسماة بالفاطميين الذين ملكوا مصر قبل سنة أربعمائة إلى سنة ستين وخمسمائة أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور بمصر، الذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة، وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما ادعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء في دولتهم، قلت: والناس أكثرهم يروّج عليهم مثل هذا، فإنهم جاءوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك والله أعلم .

6 ـ المدينة النبوية: إن المدن التي مرّ ذكرها لم يثبت لدينا أدنى دليل على وجود الرأس بها، ولم يبق أمامنا سوى المدينة، فقد ذكر ابن سعد بإسناد جمعي: أن يزيد بعث بالرأس إلى عمرو بن سعيد والي المدينة، فكفنه ودفنه بالبقيع إلى حيث قبر أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن تيمية: ثم إن دفنه بالبقيع: هو الذي تشهد له عادة القوم فإنهم كانوا في الفتن، إذا قتل الرجل منهم، ـ لم يكن منهم ـ سلموا رأسه وبدنه إلى أهله كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه، ثم سلموه إلى أهله، وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير، وأن ما كان بينهما من الحروب أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه . كما أننا لا نجد انتقاداً واحداً انتقد فيه يزيد سواءً من آل البيت أو من الصحابة أو من التابعين فيما يتعلق بتعامله مع الرأس، فظني أن يزيد لو أنه تعامل مع الرأس كما تزعم بعض الروايات من الطوفان به بين المدن والتشهير برأسه، لتصرف الصحابة والتابعين تصرفاً آخر على أثر هذا الفعل، ولما رفض كبارهم الخروج عليه يوم الحرة ولرأيناهم ينضمون مع ابن الزبير المعارض الرئيسي ليزيد ، ويؤيد هذا الرأي قول الحافظ أبو يعلي الهمداني: إن الرأس قبر عند أمه فاطمة رضي الله عنهما وهو أصح ما قيل في ذلك ، وهو ما ذهب إليه علماء النسب مثل الزبير بن بكار ومحمد بن الحسن المخزومي ، وذكر ابن أبي المعالي أسعد بن عمار في كتابه ((الفاصل بين الصدق، والمَيْن في مقر رأس الحسين)) أن جمعاً من العلماء الثقات كابن أبي الدنيا وأبي المؤيد الخوارزمي، وأبي الفرج بن الجوزي قد أكدوا أن الرأس مقبور في البقيع بالمدينة ، وتابعهم على ذلك القرطبي ، وقال الزرقاني: قال ابن دحية ولا يصح غيره ، وابن تيمية يميل إلى أن الرأس قد بعث به يزيد إلى واليه على المدينة عمر بن سعيد وطلب منه أن يقبره بجانب أمه فاطمة رضي الله عنها والذي جعل ابن تيمية برأي ذلك هو: أن الذي ذكر أن الرأس نقل إلى المدينة هم من العلماء والمؤرخين الذين يعتمد عليهم مثل الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي صاحب الطبقات ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع، وهم أعلم بهذا الباب، واصدق فيما ينقلونه من المجاهيل والكذابين، وبعض أهل التاريخ، الذين لا يوثق بعلمهم، وقد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد، حتى يميز بين المقبول والمردود أو يكون سيء الحفظ أو متهماً بالكذب أو بالتزوير في الرواية، كحال كثير من الأخباريين والمؤرخين .

وقال ابو عمر عبد الله بن محمد الحمادي: وهكذا اختلفوا في موقع رأس الحسين على ثلاثة أماكن وكل واحد منهم يريد أن يكون الرأس عنده حتى تكثر الزيارات فيكثر رمي الأموال على القبر ليتقاسمه السدنة، وحرّاس القبور وبهذا الاختلاف جعلوا للحسين ثلاثة رؤوس ومعلوم يقيناً أنه كان رضي الله عنه له رأس واحد . ومن خلال البحث، فإنه يتضح أن جسد الحسين رضي الله عنه بكربلاء وأما رأسه بالبقيع في المدينة والله أعلم.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عهد النبوة

علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عهد النبوة(1)
د. علي الصلابي

اسمه ونسبه وكنيته وصفته وأسرته
أولاً: اسمه وكنيته ولقبه:1- اسمه ونسبه: هو على بن أبى طالب (عبد مناف) (1) بن عبد المطلب، ويقال له شيبة الحمد (2) بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان(3), فهو ابن عم رسول الله × ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي ×، وكان اسم علىٍّ عند مولوده أسد، سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها أسد بن هاشم، ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة(4)
كليث غابات كريه المنظرة (5)

وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، لم يعجبه هذا الأسم وسماه عليًا (6).
2- كنيته: أبو الحسن، نسبه إلى أبنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة بنت رسول الله ×، ويكنى أيضًا بأبى تراب، كنية كناه بها النبي ×، وكان يفرح إذا نودي بها، وسبب ذلك أن الرسول × جاء بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل (7) عندي، فقال × لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله × وهو مضطجع وقد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله × يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب(8), ومن رواية البخاري: والله ما سماه إلا النبي (9), ومن كناه: أبو الحسن والحسين وأبو القاسم الهاشمى (10), وأبو السبطين (11).
3- لقبه: أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين (12).

ثانيًا: مولده:

اختلفت الروايات وتعددت في تحديد سنة ولادته، فقد ذكر الحسن البصري أن ولادته قبل البعثة بخمس عشرة أو ست عشرة سنة (13), وذكر ابن إسحاق أن ولادته قبل البعثة بعشر سنين (14), ورجح ابن حجر قوله (15), وذكر الباقر محمد بن على قولين: الأول: كالذي ذكره بن إسحاق، ورجحه ابن حجر، وهو أنه ولد قبل البعثة بعشر سنين (16), وأما الثاني: فيذكر أنه ولذ قبل البعثة بخمس سنين (17), وقد ملت إلى قول ابن حجر وابن إسحاق فيكون مولده على التحقيق قبل البعثة بعشر سنين (18).
وذكر الفاكهي (19), أن عليًا أول من ولد من بنى هاشم في جوف الكعبة، وأما الحاكم فقال: إن الأخبار تواترت أن عليًا ولد في جوف الكعبة (20).
ثالثًا: الأسرة وأثرها في الأعقاب:
لقد دل علم التشريح، وهو دراسة التركيب الجسدي، ولعم النفس، وعلم الأخلاق، وعلم الاجتماع، على تأثير الدم والسلالات في أخلاق الأجيال وصلاحياتها ومواهبها، وطاقاتها، إلى حد معين، في أكثر الأحوال، وذلك عن ثلاث طرق:
(أ) القيم والمثل التي مازال آباء هذه الأسرة وأجدادها يؤمنون بها أشد الإيمان ويحافظون عليها، أو يحاولون أن يحافظوا عليها أشد المحافظة، ويتنبلون لها ويمجدون، ويعتبرون من جار عليها من أبناء الأسرة، أو خالفها وحاد عنها شاردًا غريبًا، ويرون في ذلك غضاضة، وسقوط همة وقلة مروءة، وعقوقًا للآباء وإساءة إليهم لا تغتفر في قوانين هذه الأسرة العرفية المتوارثة.
(ب) حكايات الآباء وعظماء الأسرة في البطولة والفتوة والفروسية، والشهامة، والأنفة والإباء، والجود والسخاء، وحماية المظلومين والضعفاء، تتناقلها الأجيال وتتباهى بها، وذلك في سن مبكرة، ومن أيام الصبا إلى سن الشباب والكهولة، فتؤثر في تكوين عقليتها ومشاعرها، وتعيين المقاييس للعظة والرجولة، والبر بالآباء، وتبرير شهرة الأسرة والسلالة.
(ج) تأثير الدم الموروث في أعضاء الأسرة كابرًا عن كابر، في أسرة حافظت على أنسابها وأصالتها، وذلك ما أيده علم السلالات(21), وهذا ليس على إطلاقه، وقاعدة مطردة، لا تقبل استثناء، ولا شذوذًا كالسنن الإلهية التي قال الله عنها +فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً» [فاطر:43]، وإلى ذلك أشار النبي × في قوله: «الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»(22)، وقوله ×: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (23), وليس في ذلك من تقديس الدم الموروث الدائم، وتركيز الرئاسة الدينية والزعامة الروحية العلمية في أسرة معينة، واحتكارها لقيادة امة، دينيًا وروحيًا وعلميًا بشكل دائم، وهو الذي عانى منه العالم القديم – قبل الإسلام – فسادًا اجتماعيًا وخلقيًا جارفًا، واستبدادًا فظيعًا، واستغلالً ماديًا شنيعًا، تزخر به كتب التاريخ وشهادات المؤرخين للإمبراطوريتين الرومية والساسانية، والمجتمعين الإغريقي والهندي (24), وغيرها من الجاهليات، ولذلك يحسن بنا أن نشير إلى وضع الأسرة والسلالة- اللتين ولد ونشأ فيهما أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه – العرقي والاجتماعي، وما كانتا تمتازان به من خصائص وأعراف، وتقاليد وتراث خلقي ونفسي، وكيف كان العرب ينظرون إليهما ويقرون لهما بالفضل، ونبدأ في ذلك بقريش، ثم ببنى هاشم (25).
1- قبيلة قريش:أقر العرب كلهم بعلو نسب قريش، وسيادتها، وفصاحة لغتها، ونصاعة بيانها، وكرم أخلاقها وشجاعتها وفتوتها، وذهب ذلك مثلاً لا يقبل نقاشًا ولا جدالاً (26),وكانوا حلفاء متآلفين متمسكين بكثير من شريعة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ولم يكونوا كالأعراب الذين لا يوقرهم دين، ولا يزينهم أدب، وكانوا يحبون أولادهم، ويحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويكفنون موتاهم، ويغتسلون من الجنابة، ويتبرءون من الهرابذة (27),ويتباعدون عن المناكح من البنت وبنت البنت والأخت وبنت الأخت، غيرة وبعدًا من المجوسية، ونزل القرآن بتأكيد صنيعهم وحسن اختيارهم، وكانوا يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلاثًا (28)، ومما زاد شرفهم أنهم كانوا يتزوجون من أي قبيلة شاءوا، ولا شرط عليهم في ذلك، ولا يزوجون أحدًا حتى يشترطوا عليه أن يكون متحمسًا (29) على دينهم، يرون ذلك لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم، حتى يدان إليهم وينقاد(30).
2- بنو هاشم:أما بنو هاشم فكانوا واسطة العقد في قريش، وإذا قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم – وهو قليل من كثير جدًا – استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كل شيء، ورجاحة العقل، وقوة الإيمان بما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم ومكابرة الحق، وعلو الهمة، والعطف على الضيف والمظلوم، والسخاء، والشجاعة، وما تشتمل عليه كلمة (الفروسية) عند العرب من معان كريمة وخلال حميدة، والسيرة التي تليق بأجداد الرسول الكريم×، تتفق ويتفق مع ما كان يفضله ويدعو إليه من مكارم الأخلاق، غير أنهم عاشوا في زمن الفترة، وسايروا أبناء قومهم في عقائد الجاهلية، وعباداتها (31) ولم يصل بنو هاشم إلى هذه المكانة في مجتمعهم إلا بالتضحية والعطاء والبذل وخدمة الناس.
3- عبد المطلب بن هاشم:جد الرسول × وعلىّ بن أبى طالب رضي الله عنه: ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة (32), بعد عمه المطلب، فأقامهما للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم (33).
ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش، ولم يكن سيد مكة الوحيد المطاع، كما كان قُصى، إذا كان في مكة رجال كانوا أكثر منه مالا وسلطانًا، إنما كان وجيه قومه، لأنه كان يتولى السقاية والرفادة، وبئر زمزم، فهي وجاهة ذات صلة بالبيت (34), ويتجلى إيمان عبد المطلب بأن لهذا البيت مكانة عند الله، وأنه حاميه ومانعه، وتتجلى نفسية سيد قريش السامية، وشخصيته القوية الشامخة في حديث دار بينه وبين أبرهة ملك الحبشة، وقد غزا مكة وأراد أن يهين البيت ويقضى على مكانته، وقد أصاب لعبد المطلب مائتى بعير، فاستأذن له عليه، وقد أعظمه أبرهة ونزل له عن سريره فأجلسه معه، وسأله عن حاجته، فقال: حاجتي أن يرد علىّ الملك مائتى بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك زهد فيه الملك وتفادته عينه، وقال: أتكلمني في مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟! قال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال: ما كان يمتنع مني، قال: أنت وذاك (35), وقد كان ما قاله عبد المطلب، فحمى رب البيت بيته، وجعل كيد أبرهة وجيشه في تضليل، قال تعالى: +وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ  تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ  فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ» [الفيل:3-5].
وكان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأمور (36)،ومات عبد المطلب بعد أن جاوز الثمانين، وعمر الرسول ثماني سنين، ومعنى ذلك أنه توفى حوالي سنة 578للميلاد (37), وذكر أنه لم تقم بمكة سوق أيامًا كثيرة لوفاة عبد المطلب (38).
4- أبو طالب والد على بن أبى طالب رضي الله عنه: أبو طالب لا مال له، كان يحب ابن أخيه حبًا شديدًا، فإذا خرج خرج معه، فقد كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله × بعد جده، فكان إليه ومعه (39), وعندما أعلن رسول الله × الدعوة إلى الله وصدع بها وقف أبو طالب بجانب رسول الله × وصمم على مناصرته وعدم خذلانه، فاشتد ذلك على قريش غمًا وحسدًا ومكرًا، وإن المرء ليسمع عجبًا ويقف مذهولاً أمام مروءة أبى طالب مع رسول الله ×، فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن اخيه محمد ×، بل واستفاد من كونه زعيم بني هاشم أن ضم بنى هاشم، وبنى المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت، دفاعًا لرسول الله ×، مسلمهم ومشركهم على السواء (40), وأجار ابن أخيه محمدًا × إجارة مفتوحة لا تقبل التردد والإحجام، ولما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جهدهم معه، وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، وفضل رسول الله فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحبوا معه على أمره (41) فقال:
إذا اجتمعت يومًا قريش لمفخر
فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حصلت أشراف عبد منافها
ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يومًا فإن محمدًا
هو المصطفى من سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وسمينها
علينا فلم تظفر وطاشت حلومها

وكنا قديمًا لا نقر ظلامة
إذا ما ثنوا صُعْر الخدود نقيمها

ولما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرمة مكة، وبمكانة منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم في ذلك من شعره، أنه غير مسلم رسول الله ×، ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم
وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

وقد حالفوا قوما علينا أظنة
يعضون غيظًا خلفنا بالأنامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول

وأحضرت عند البيت رهطى وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائل

وتعوذ بالبيت وبك المقدسات التي فيه، وأقسم بالبيت بأنه لن يسلم محمدًا ولو سالت الدماء أنهارًا، واشتدت المعارك مع بطون قريش:
كذبتم وبيت الله نُبْزى (42) محمدًا
ولما نطاعن دونه ونناضل

ونُسلمه (43) حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل(44)

وينهض قوم في الحديد إليكم
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل(45)

واستمر أبو طالب في مناصرة ابن أخيه واستطاع أن يغزو المجتمع القرشي بقصائده الضخمة التي هزت كيانه هزًا، ولما تغلغل الإسلام في قلوب أبناء بعض القبائل، اجتمعت قريش فائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة، وتواثقوا على ذلك، وانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه (46), وذلك في محرم سنة سبع من النبوة ومكث بنو هاشم على ذلك نحو ثلاث سنوات لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، ثم كان ما كان من أكل الأرضة للصحيفة، وإخبار النبي × أبا طالب بذلك، وتمزيق الصحيفة، وبطلان ما فيها (47), ومات أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة، وهو ابن بضع وثمانين سنة، ولم يسلم أبو طالب (48), وهو العام الذي ماتت في خديجة زوج النبي ×، وتتابعت على رسول الله × المصائب، وسمى هذا العام بعام الحزن (49).
5- أم أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه: هي الصحابية الجليلة السيدة الفاضلة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصى الهاشمية (50),وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا (51), وقد حظيت برعاية النبي × حينما كفله عمه أبو طالب بناء على وصية أبيه عبد المطلب، فكانت له أمًا بعد أمة تقوم على شئونه وترعي أموره ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وقد قضى الحبيب المصطفى قرابة عقدين من حياته في كنفها، وقد استجابت لدعوة الإسلام وأصبحت من السابقات الأوليات وصارت من صفوة النساء ممن أخذن المكانة العليا في ساحة الفضيلة، وكانت رضي الله عنها مثالاً للرأفة والرحمة في معاملة الزهراء رضي الله عنها، إذ كانت تقوم بمساعدتها برًا بها وبوالدها ×، وروى عن أمير المؤمنين على رضي الله عنه أنه قال: قلت لأمي: أكفي فاطمة بنت رسول الله سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك هي الطحن والعجن (52).كما أن صلتها بالنبي × أضافت إلى شخصيتها مكرمة حفظ الحديث وروايته، فقد روت عن النبي × مجموعة من الأحاديث، وقد كانت لها مكانة كبرى عند رسول الله ×، ويخصها بالهدية، فقد أورد ابن حجر بالإصابة أن عليًا رضي الله عنه قال: أُهدى إلى رسول الله حلة إستبرق فقال: «اجعلها خُمُرًا بين الفواطم» (53). فشققتها أربعة أخمرة، خمارًا لفاطمة بنت رسول الله ×، وخمارًا لفاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة رضي الله عنها، ولم يذكر الرابعة(54).
ولقد كان حظ السيدة فاطمة مباركًا في حياتها وعند وفاتها، وحظيت بالتكريم إذ توفيت في حياة الحبيب المصطفى × (55), وأما ما روى عن أنس في دفنها فهو واه ضعيف شديد الضعف ولا يتقوى من طرقه الأخرى التي جاءت لأنها كلها ضعيفة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد أم على رضي الله عنها دخل عليها رسول الله × فجلس عند رأسها فقال: رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيننى، وتعرين وتكسيننى، وتمنعين نفسك طيبا وتطعميننى، تريدين بذلك وجه الله والدار الأخرة، ثم أمر أن تغسل ثلاثًا ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده، ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله × بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله × فاضطجع فيه وقال:«الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقتها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي. فإنك أرحم الراحمين» وكبر عليها أربعًا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهما (56).
وقد احتج من احتج (57) بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات، وقد قام الأستاذ أبو عبد الرحمن جبلان بن خضر العروسى في رسالته لمرحلة الماجستير بتتبع طرق الحديث وبين ضعفها وبطلانها (58),ووضح أن الحديث قد روى من خمسة طرق: ثلاثة موصولة، ومرسلتان، فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريق واحدة، وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيعل بعضه البعض ولا يزيدها إلا وهنا وضعفا، وأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه:
- إن في هذا الحديث مبالغة وإطراء وتجاوزًا للمألوف في ذلك العهد النبوي.
- هذا الحديث يخالف هدية وسننه في غسل جنازة المرأة، وذلك في أمور منها:
- سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد في غسل بنته زينب أنه أمرهم بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أن أم عطية قالت: دخل علينا النبي × ونحن نغسل ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتن فآذننى» وقالت:فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: «أشعرنها إياه»، ولم يزد على ذلك (59).
- إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفًا هديه المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء.
- ثم لفظ الدعاء الذي بدأ بلفظة الغيبة ثم الخطاب بعيد عن أسلوبه المعهود في الدعوات المأثورات «اللهم أنت…» ولم نر في غير هذا الدعاء «الله الذي…».
- ومما يدل على ضعفه أن الراوى اعترف بأن النبي × لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات (60).
6- إخوة علىّ بن أبى طالب رضي الله عنه: كان لأبي طالب أربعة أبناء، وهم: طالب، وهو الذي تكنى به، وعقيل، وجعفر، وعلى، وبنتان هما: أم هانئ، وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وكان بين كل واحد منهم وبين أخيه عشر سنوات، فطالب كان أكبر من عقيل بعشر سنوات، وكذلك الشأن مع جعفر وعلى، فكان جعفر أكبر من على بعشر سنوات (61), وهذه نبذة مختصرة عن إخوة على رضي الله عنه.
(أ) طالب بن أبى طالب:هلك طالب مشركًا بعد غزوة بدر، وقيل إنه ذهب فلم يرجع، ولم يدر له موضع ولا خبر، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض، وكان محبًا لرسول الله ×، وله فيه مدائح، وكان خرج إلى بدر كرهًا، وجرت بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا: والله يا بنى هاشم لقد عرفنا- وإن خرجتم معنا- أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال شعرًا وقصيدة ثناء على النبي × وبكى فيها أصحاب قليب بدر (62).
(ب) عقيل بن أبى طالب:فكان يكنى أبا يزيد، تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وقيل أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أول سنة ثمان، وكان أسر يوم بدر ففداه عمه العباس، وقع ذكره في الصحيح في مواضع، وشهد غزوة مؤته، ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين، لأنه كان مريضًا، أشار إلى ذلك ابن سعد، لكن روى الزبير بن بكار بسنده إلى الحسن بن على أن عقيلا كان ممن ثبت يوم حنين ومات في خلافة معاوية، وفي تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة (63),وعمره ست وتسعون سنة (64).
(ج) جعفر بن أبى طالب: فهو أحد السابقين إلى الإسلام وكان يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم، ويحدثهم ويحدثونه، وهاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه، ولقد تحدثت عنه في كتابي السيرة النبوية. عرض وقائع وتحليل أحداث، واستشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلاً غير مدبر (65).
(د) أم هانئ بنت أبى طالب: ابنه عم النبي ×، قيل اسمها فاختة، وقيل اسمها فاطمة وقيل هند، والأول أشهر، وكانت زوج هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، وكان له منها عمرو، وبه كان يكنى، وفي فتح مكة أجارت أم هانئ رجلين من بنى مخزوم، وقال لها
رسول الله ×: أجرنا من أجرت يا أم هانئ.وروت أم هانئ عن النبي × في الكتب الستة وغيرها(66), قال الترمذي وغيره: عاشت بعد على رضي الله عنه (67).
(هـ) جمانة بنت أبى طالب: هي أم عبد الله بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة بنت أسد، وأفردها في باب بنات عم النبي ×، وقال: ولدت لأبى سفيان بن الحارث ابنه جعفر بن أبى سفيان، وأطعمها رسول الله من خيبر ثلاثين وسقا (68).
7- أزواجه وأولاده: ولد له من فاطمة (69) بنت رسول الله ×: الحسن والحسين (وسيأتي الحديث عنهما مفصلا)…وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وولد له من خولة بنت جعفر ابن قيس بن مسلمة، محمد الأكبر (محمد ابن الحنفية)،وُولد له من ليلى بنت مسعود بن خالد من بنى تميم، عبيد الله وأبو بكر، وولد له من أم البنين بنت حزام (70) بن خالد بن جعفر بن ربيعة: العباس الأكبر، وعثمان، وجعفر الأكبر، وبعد الله، وولد له من أسماء بنت عميس الخثعمية: يحيى وعون (71),وولد له من الصهباء (72), عمر الأكبر ورقية، وولد له من أمامة (73) بنت العاص بن الربيع، محمد الأوسط، وولد له من أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، أم الحسن، ورملة الكبرى، وولد له من أمهات أولاد، محمد الأصغر، وأم هانئ وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، جمانة ونفيسة، وولد له من محياة بنت أمرئ القيس، ابنة هلكت وهي جارية. قال ابن سعد: لم يصح لنا من ولد على رضي الله عن غير هؤلاء(74), وجميع ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه لصلبه أربعة عشر ذكرًا، وتسع عشرة امرأة، وقيل: سبع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة، الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية، والعباس ابن الكلابية، وعمر ابن التغلبية (75),وسيأتي الحديث عن السيدة فاطمة وذريتها، الحسن والحسين، وأم كلثوم في ثنايا هذا الكتاب بإذن الله تعالى.
8- صفاته الخَلقية:يقول ابن عبد البر رحمه الله: وأحسن ما رأيت في صفة على
رضي الله عنه أنه كان ربعة من الرجال إلى القصر ما هو، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنًا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شئن الكفين (عَتَدًا) (76) أغيد، كان عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضارى، لا يتبين عضده من ساعده، قد أدمجت دمجًا، إذا مسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وهو إلى السمن ما هو، شديد الساعد واليد وإذا مشى للحرب هرول، ثابت الجنان، قوى شجاع (77).

فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم (17)

إن القصص القرآني في سيرة سليمان عليه السلام أشار إلى أساليبه في إدارة الدولة والمحافظة على التمكين, وأهم هذا الفقه يظهر في النقاط الآتية:

1- دوام المباشرة لأحوال الرعية, وتفقد أمورها, والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها, فهذا كان حال سليمان عليه السلام: «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ» [النمل:20] وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك, والاهتمام بكل جزء فيه والرعاية بكل واحدة فيها وخاصة الضعفاء(1).

ولا شك أن القيادة تحتاج إلى لجان ومؤسسات وأجهزة حتى تستطيع أن تقوم بهذه المهمة العظيمة, إن سليمان عليه السلام كان مهتمًا بمتابعة الجند وأصحاب الأعمال وخاصة إذا رابه شيء في أحوالهم, فسليمان عليه السلام, لما لم ير الهدهد بادر بالسؤال: «مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ» [النمل:20] يعني (أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له) (2) , ثم قال: «أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ» [النمل:20] سؤال آخر ينم عن حزم في السؤال بعد الترفق, فسليمان عليه السلام أراد أن يفهم منه أنه يسأل عن الغائب لا عن شفقة فقط ولكن عن جد وشدة, إذا لم يكن الغيب بعذر(3).

2- لابد للدولة من قوانين حتى تضبط الأمور بحيث يعاقب المسئ, ويحسن للمحسن, ولابد من مراعاة التدرج في تقرير العقوبة, وأن تكون على قدر الخطأ وحجم الجرم, وهذا عين العدالة, ولهذا لم يقطع سليمان عليه السلام بقرار واحد في العقاب عند ثبوت الخطأ؛ بل جعله متوقفًا على حجم الخطأ: «لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ» [النمل:21] وقد استدل أهل العلم بهذه الآية على أن العقاب على قدر الذنب, وعلى الترقي من الشدة إلى الأشد بقدر ما يحتاجه إلى إصلاح الخلل(4)

3- لابد للدولة المسلمة أن تهتم بالأجهزة الأمنية وتحرص أشد الحرص على الاهتمام بالأخبار والمعلومات حتى توظف لخدمة الدين, وعقيدة التوحيد, ونشر المبادئ السامية, والأهداف النبيلة, والمثل العليا, وأن تحرص على تحبيب الجهاد لأبنائها بواسطة الأجهزة الإعلامية والوسائل التربوية, وأن تهيئ النفوس للظروف المناسبة لإقامتها للدين وإعلاء لكلمة الله, وهكذا كان شأن سليمان عليه السلام-كما قال القرطبي -رحمه الله-: «فإنما صار صدق الهدهد عذرًا له, لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد, وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد»(5).

4- لابد للقيادة في الدولة المسلمة أن تهتم بنصر دعوة التوحيد, وبذل الوسع في تبليغها لكل مكلف, فإن سليمان عليه السلام لما استمع إلى خبر القوم المشركين شمر عن ساعد الجد في إيصال البلاغ إليهم, وبدأ معهم بالحجة والبيان: «اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ» [النمل:28], قال القرطبي -رحمه الله-: «في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة ودعائهم إلى الإسلام, وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار»(6).

ومن المهم عرض الدعوة بعزة الإسلام وبشرف الإيمان وهيبة القرآن لا بتذلل واستخذاء, وعدم مداراة للناس في أمر الاستجابة لله, وترك مداهنتهم فيما يغضب الله, ولقد كان كتاب سليمان عليه السلام لملكة سبأ يبدأ بالرحمة, وتتخلله الكرامة, وآخره الدعوة إلى الاستجابة لله والاستسلام له سبحانه: «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» [النمل: 31،30].

وعلى الدولة المسلمة أن تهتم بتعظيم اسم الله تعالى, والتشرف بذكره في المحافل والمناسبات والكتابات, فهذا شعار المؤمنين, وتنزيه هذا الاسم المقدس عما لا يليق به, والحفاظ عليه من جهل الجهال؛ ولذلك قدم سليمان عليه السلام اسمه, خوفًا من أن تتلفظ ملكة سبأ بكلمة لا تليق فيكون اسمه وقاية لاسم الله عزَّ وجلَّ(7).

وعلى الدولة المسلمة أن يكون خطابها الدعوي ملتزمًا بالجدية في دعوة الناس, وأن تراعي شمولية الإسلام, وتتوخى الاقتصار على المقصود منها, وهكذا كان خطاب سليمان عليه السلام: «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» [النمل: 31،30].

فالمطلوب من الخلق إما العلم أو العمل, والعلم مقدم على العمل, فقوله: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات صفاته سبحانه, وقوله: «أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ» نهي عن الانقياد لغير الله عزَّ وجلَّ اتباعًا للهوى أو طاعة للنفس, وقوله: «وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» فيه الحث على الإيمان بالقلب والإسلام بالجوارح(8).

وعلى القائمين بأمر الدعوة إلى الله أن يكونوا متعالين على حطام الدنيا, فعندما تعرض عليهم رشوة في الدين, أو رهانًا على المبدأ ليكن الشعار ما قال سليمان عليه السلام: «أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ» [النمل:36].

فملكة سبأ عندما عملت الحيلة لاختبار سليمان عليه السلام, وتفتق ذهنها عن بعث هدية له تمتحن بها حبه للدين, فأظهر عليه السلام عدم الاكتراث بهذا المال, وأعلم من جاءوا به أن الله تعالى آتاه الدين الذي هو السعادة القصوى, وآتاه من الدنيا ما لا مزيد عليه, فكيف يستمال مثله بمثل هذه الهدية؟! وصارحهم بأنهم هم الذين من شأنهم الفرح بتلك الهدية التي ظنوا أنه سيفرح بها, أما هو فلن يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف(9).

5- المقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب للمكان المناسب, وعدم التردد في القرار الصعب للتغلب على الحال الأصعب, فعندما وجد سليمان عليه السلام, أن القوم ما زالوا على الشرك, بل يريدون استمالته وتنحيته عن صلاته في الحق, قال للوفد الذي جاء بالهدية: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ» [النمل:37].

ولا مانع من ركوب الشدة مع المعاند, واستعمال القوة في إرهاب من يصد عن الدعوة, فإن ذلك قد لا ينفع غيره في إنقاذ الناس من الشرك, بل من المعادن البشرية ما لا يلين إلا تحت وهج السيف وسنابك الخيل, وكان هذا الأسلوب سببًا في إسلام ملكة سبأ وانقيادها وجنوده لسليمان عليه السلام, ولا مانع من استعمال الذكاء والعقل النير, ودقة التدبير, في استجلاب قلوب المدعوين إلى الدين واستخدام نعم الله في دلالة الخلق على الله, ومخاطبة الناس بالكيفية التي تستهوي قلوب عوامهم وتجلب احترام خواصهم, فسليمان عليه السلام لما بلغه خبر مجئ ملكة سبأ في جمع من حاشيتها وجنودها, أراد أن يعلمها مدى ما أعطاه الله من قوة حتى إن عرشها الذي تركته في حماية عظيمة وحرس كثيف يسبقها إليه(10).

6- وعلى الدولة المسلمة أن تستفيد من المهارات والمواهب وإمكانات الخاصة في أفراد الرعية, ووضع الفرد المناسب في مكانه الصحيح, إن مملكة سليمان كان فيها من الإنس والجن وغيرهم ما كان يمكن أن يؤدي مهمة الهدهد, ولكن سليمان اختاره مع ضعفه وصغره لتأدية هذه المهمة, فـ(تخصيصه عليه السلام إياه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف؛ لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة)(11).

أبرز صفات سليمان عليه السلام كحاكم لدولة

إن الآيات الكريمة عرضت صفات سليمان عليه السلام كملك وحاكم ممكَّن له في الأرض, وفي هذا إشارة من الله تعالى إلى الصفات القيادية المطلوبة للإشراف على تمكين شرع الله تعالى:

1 — الحزم: ويظهر ذلك عند القيادة إن غلب الظن أن هناك تقصيرًا, أو تكاسلاً عن الحضور وقت الطلب أو التأخر وقت العمل: «لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ» [النمل:21] فإنه قد تبين لسليمان عليه السلام أن الهدهد غائب, فتهدد بذلك أمام الجمع الذي يعلم أن الهدهد غائب, حتى لا يكون غيابه -إن لم يؤخذ بالحزم- سابقة سيئة لبقية الجند(12).

2- التريث والتأني قبل الحكم, فلعل للغائب عذرًا, أو للمقصر حجة تدفع الإثم, وترفع العقوبة, ولهذا قال سليمان بعدها: «أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ» [النمل:21] أي (بحجة تبين عذره في غيبته) (13), وهذا هو اللائق بالحاكم والقاضي إذا كان عادلاً, وسليمان عليه السلام الذي اشتهر بالعدالة هو وجنوده حتى عند النمل, لا ينتظر منه مع الهدهد, أو ما دونه أو ما فوقه, إلا أن يكون عادلاً لا يعاجل بالعقوبة قبل ثبوت الجريمة ولا يبادر إلى المؤاخذة قبل سماع الحجة.

3- سعة الصدر في الاستماع إلى اعتذار المعتذر, وحجة المتخلف, وسليمان عليه السلام أنصت لاسترسال الهدهد حتى انتهى من قوله, رغم أن فيه نوع معاتبة لسليمان, وفيه نسبة عدم الإحاطة إليه: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ  إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ  أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» كل هذا وسليمان لا يقاطعه, ولا يكذبه, ولا يعنفه, حتى ينتهي من سرد الحجة, التي كانت مفاجأة ضخمة لسليمان عليه السلام.

4- قبول الاعتذار ممن يعتذر في الظاهر, وإيكال سريرته إلى الله تعالى, فسليمان عليه السلام سكت عن المؤاخذة وانتقل إلى تحري الخبر, قال القرطبي رحمه الله: (هذا دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته, ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم, لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه) (14)

5- التروي في تصديق الخبر؛ فهذا الذي حكاه الهدهد, أمر ليس بالسهل ولا باليسير, ثم إن الهدهد لا يجرؤ على اختلاق هذه القصة الطويلة, وهو يعلم تمكن سليمان من الرعية, ومقدرته على التأكد من صحة الأخبار, ومع ذلك لم يبادر عليه السلام إلى التصديق, كما أنه لم يتعجل التكذيب, بل قال: «سَنَنظُرُ» وهو من النظر, أو التأمل والتحري(15)

«سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ» يعني أصدقت في خبرك أم كذبت لتتخلص من الوعيد؟(16)

6- عدم الاغترار بقوة النفس وكثرة الجند وسعة السلطان, وإسناد الفضل إلى الله في كل نعمة, وتجديد الشكر على هذه النعم, وسليمان عليه السلام لما طلب الإتيان بعرش بلقيس أجابته جنوده التي سخرها الله له مسارعين إلى الطاعة؛ فلما وجد سليمان طلبه مجابًا, وأمره مطاعًا سارع إلى ضبط النفس في سلك الخشية ومنهاج التواضع والطاعة لله رب العالمين: «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ» [النمل:40] أي رأى العرش ثابتًا عنده: «قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي» أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها, فإن من شكر لا يرجع نفع شكره إلا على نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد, ومن كفر النعم فإن الله غني عن شكره, كريم في عدم منع تفضله عنه(17)

7- التواضع وهو في قمة المجد والتمكين: كان سليمان عليه السلام دائم التواضع حتى قيل إنه كان يمشي منكسر الرأس خشوعًا لله, وأثناء استعراضه لجنوده من الجن والإنس والطير, مر على وادي النمل, وفي نظرة التواضع إلى الأرض؛ أبصر نملة, فأشخص النظر صوبها, وأصاخ السمع إليها, وبما علم من منطق الطير والحيوان حاول أن يتفهم أمرها, لقد علم أنها تتخوف من بطش أقدام الجنود في ركب سليمان, لقد سمعها وفهم قولها: «قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ» [النمل:18]. نعم إنها كائن صغير في مملكة ضخمة عظيمة, تسعى كأخواتها للرزق, وتنصح لهم أن يفسحوا الطريق أمام ركب الملك العادل, حتى لا تقع مظلمة غير مقصودة من أحد منهم, قال القرطبي رحمه الله: (التفاتة مؤمن, أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنده لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا) (18)

إن هذه النملة لم تكن إلا واحدة من رعايا سليمان في مملكته التي ضمت إلى جانب الإنس والجن أنواعًا وألوانًا من الحيوان والطير والهوام.

لقد سمع كلامها وتفهم شكواها, فتبسم من قولها, فرق قلبه الكبير رفقًا لجرمها الصغير, فرحمها وأخواتها, وشكر ربه إذ علمه منطق هذه المخلوقات حتى يتمكن من إنصافها وإيصال العدل إليها, وسُرّ بأن عدالته وجنوده قد عرفها كل مخلوق, حتى مثل هذه النملة التي اعتذرت عنهم مقدمًا بأنهم إن أصابوا نملة بأقدامهم, فإن ذلك من غير قصد منهم ولا شعور .

«فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ» [النمل:19].

لقد أدرك سليمان عليه السلام أنه -في جنب الله- في حاجة إلى الرحمة والعطف واللطف أشد من حاجة هذه النملة إلى ذلك منه, ولهذا قال: «وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ» [النمل:19].

عقوبة الإعدام في الإسلام.. رد على ما ورد في مقابلة ليبيا اليوم مع الدكتور جمعة عتيقة 1/2

أعجبني الحوار الذي أجرته صحيفة ليبيا اليوم مع الدكتور جمعة عتيقة، إذ يذكر للرجل جهوده الحقوقية والإصلاحية في خدمة بلادنا الحبيبة، وإني أثمن هذه الجهود وأرجو من الله تعالى أن يتقبلها منه. كما أن بيني وبين الدكتور جمعة قاسما مشتركا يتمثل في محبة الخير والإصلاح لبلادنا العزيزة وشعبنا الطيب.
برغم كل ما سبق فإن بيان ما أعتقده واجبا علي دفاعا عن الإسلام وحقا للدكتور جمعة بأن أنصحه لله هو ما دفعني لأكتب هذا المقال.
فقد جاء في الحوار اعتراض للدكتور جمعة على عقوبة الإعدام أو حكم القصاص وأنا بدوري أؤكد بأن حفظ النفوس البشرية مقصد من مقاصد الشرع الحكيم، وضرورة من ضرورات الشريعة الإسلامية. وقد عنيت شريعتنا الغراء بالنفس الإنسانية عناية فائقة لا تستطيع القوانين الوضعية أن تساميها أو حتى تقترب منها، فأين شرع الله من قوانين المخلوقين، فشرعه سبحانه تضمن من الأحكام ما يجلب المصالح لها ويدفع عنها المفاسد، وكل ذلك لأجل حفظها وصيانتها ودرء الاعتداء عليها. ولم تترك الشريعة الأمر عاما بلا تفصيل بل وضعت الوسائل الكفيلة بإذن الله لحفظ النفس من التعدي. ومن هذه الوسائل:

1- تحريم الاعتداء عليها
تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الاعتداء على النفس وعدت ذلك من كبائر الذنوب، وتوعد الله سبحانه قاتل النفس بالعقاب العظيم، والعذاب الشديد في الآخرة فقال تعالى: «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما.» وأكد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، أو قال وشهادة الزور.»
والآيات والأحاديث الكثيرة في تحريم الاعتداء على النفس، والترهيب الوارد في النصوص بذكر العقاب الأخروي كافية لتكون من أعظم الزواجر عن قتل النفس وإنقاذها من الهلاك كما في قوله تعالى: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»، وهي بذلك تدفع المسلم إلى الكف عن إيذاء النفس لشدة رغبته في ما عند الله تعالى من الأجر وخوفا من العقاب.

2- سد الذرائع المؤدية إلى قتل النفس
حرصت الشريعة على سد الذرائع المفضية إلى جلب المفاسد وتفويت المصالح، فحرمت الاعتداء على المسلمين وحمل السلاح ضدهم فقد جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قوله: «من حمل علينا السلاح فليس منا». وذلك لما يترتب على حمل السلاح من فتن وقتل للمسلمين، وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وهكذا حرم الشرع ما أقل من القتل وهو السب والشتم لإفضائه إلى العداوة المفضية للمقاتلة المحرمة، فسد الشرع كل الذارئع التي تفضي إلى قتل المسلم.

3- القصاص
ركز الشرع الرباني على غرس المثل العليا والأخلاق الفاضلة في النفوس، ودعا إلى تنشئة المسلم عليها، وحذر من ضد ذلك ولم يلجأ الشرع إلى العقوبات إلا في أضيق الحالات حفظا على نظام المجتمع ودرءا للفساد. وفي القتل رأينا كيف حذرت الشريعة وأنذرت منه، وبينت عاقبته في الآخرة من النار وغضب الجبار ولعنته، والعذاب العظيم. وفي الدنيا الحسرة والندامة، كما في قصة ابني آدم التي قصها الله علينا في كتابه مع ما في القتل من قسوة ينبوء عنها خلق المسلم الموصوف بالرحمة والشفقة على المسلمين، ولما فيه أيضا من قطع الوشيجة الإيمانية التي تربط المؤمن بأخيه، فالمؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه، فهو كما لا يرضى القتل لنفسه فكذلك ينبغي ألا يحبه لأخيه المسلم. وهكذا إذا استحضر المسلم كل هذه المعاني واستشعرها كانت كافية لزجره عن القتل ومانعا له.
غير أن أي مجتمع لا يخلو من إناس تستحكم فيهم الغفلة، فتغيب عنهم تلك المعاني ويشتط بهم الغضب ويزداد عندهم الحقد والكره فلا يتعقلون الأمور فيفكرون في الشروع في القتل وهنا شرع الله سبحانه وتعالى القصاص كعقوبة دنيوية حاضرة تزجر من أراد سفك الدم الحرام بغير حقه.
قال سبحانه وتعالى في كتابه: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون». وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أنه كتب القصاص على من قبلنا فقال: «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الظالمون».
فيا أخي جمعة إن القصاص يحقق الأمن للمجتمعات، ويصون النفس من القتل ويحميها من التعدي ويتضح ذلك بالآتي:
أ‌- إن الله تعالى أخبر في كتابه إن في القصاص حياة ويتحقق ذلك من ناحيتين:
- الأولى: القاتل إذا علم بأنه إذا قَـتَل يُـقتل كَفَّ عن القتل وازدجر فسلم من أريد قتله، والقاتل بعدم تعريض نفسه للقصاص فيكون القصاص حياة لهما جميعا.
- إنه بالقصاص لا يقتل إلا القاتل، فكأن في قتل القاتل بقاء لغيره، وكانوا في الجاهلية يقتلون القاتل وغيره وربما قتلوا من هو خير من القاتل.
ب‌- إن في القصاص شفاء لغيظ المجني عليهم وإرضاء لهم، لأن من طبيعة النفوس الغيظ على من يعتدي عليها عمدا فتندفع إلى الانتقام وهو انتقام لا يكون عادلا أبدا وربما تقع بين أهل المقتول وأهل القاتل حروب لا تنتهي إلا بقتل العشرات من الناس وربما لا تنتهي الثارات والجنايات ولا يستقر حال نظام المجتمعات، وأكبر دليل على ذلك واقع الجاهلية الأولى حيث كانت الحروب تثور بينهم لقتل شخص واحد ثم لا تنتهي إلا بعد سنين تكون الحرب قد أكلت فيها الأخضر واليابس، وكذلك واقع المجتمعات المعاصرة التي نبذت دولها الأحكام الشرعية واستبدلت القصاص بغيره من الأحكام الوضعية، فعدم الاستقرار فيها مما لا ينكره أحد. وشرع الإسلام القصاص من الجاني وتسليم القاتل إلى أولياء الدم تحت نظر الحاكم الشرعي (الدولة) خوفا من الحيف والتمثيل به. قال تعالى: «ومن قُـتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا».

4-ضرورة أقامة البينة في قتل النفس
بلغ من حرص الشرع الرباني على حفظ النفوس أنه حرم قتل النفس إلا بحق قامت عليه البينة، وذلك إما بإقرار من صاحب الجريمة، أو بشهادة الشهود العدول بالعدد الكافي في الجريمة وهو أربعة شهود في قتل النفس رجما، أو اثنان في غير ذلك. وكان من تمام حكمته تعالى ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما أنه لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم وجعل الحجة أن يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار، أو ما يقوم مقامه، وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم وهي البينة، واشترط فيه العدالة وعدم التهمة، فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك. ولو طلب منها الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة.

5-ضمان النفس
مما يدل على اهتمام الشريعة الغراء بحفظ النفس وحمايتها لها أن دم المقتول لا يذهب هدرا، فإما القصاص إذا توفرت شروطه، ولم يعف أولياء الدم، أو الدية إن لم تتوفر الشروط أو العفو من أولياء الدم، ولكن الدين في العمد غير الدية في الخطأ وذلك من وجوه:
أ‌- إن دية العمد على القاتل نفسه دون عاقلته (أي أسرته وأقربائه وعصبة دمه)
ب‌- إن الدية العمد حالَّـة بخلاف دية الخطأ وشبه العمد
ت‌- إنها دية مغلظة
وبهذا يظهر الاهتمام البالغ بحفظ النفس لأن القاتل إذا تصور عَفوَ أولياء الدم عن القصاص مع ندرته فإنه ربما لا يتصور العفو عن الدية لأن احتمال العفو عنها أقل، وإذا علم أنها في ماله خاصة دون عاقلته دفعه ذلك عن الإحجام عن القتل، وزجره عنه، وكونها حالة عليه مغلظة زاجرا آخرا له عن الإقدام على القتل.

6- تأخير تنفيذ القتل في من وجب قتله إذا خشي من قتله الإضرار بغيره.
وهذا برهان آخر وآية ناطقة ووسيلة واضحة لحفظ الدماء، حيث لا يقام الحد ولا يستوفى القصاص من المرأة الحامل حتى تضع حملها بل حتى ترضعه ويستقل بالطعام إن لم يجد مرضعا، وذلك لأن قتلها وهي حامل إزهاق لروح جنينها بغير حق، وكذلك في قتلها قبل إتمام إرضاعه ضرر عليه ربما يؤدي إلى هلاكه وضياعه ولذا أخر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الغامدية حتى وضعت بل حتى فطمت ولدها، كما جاء في الأحاديث الصحيحة الثابته عن رسول الله.

7- العفو عن القصاص
اعتنت الشريعة بحفظ الأنفس والحرص على استبقائها بفتح باب العفو عن القاتل والترغيب فيه قال تعالى: «فمن عُـفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة».
فيا أخي جمعة، إن الله الذي وهب الحياة هو الذي أعطى حق القصاص لأهل من قتل عمدا وخيرهم بين القتل والدية والعفو الذي رغب فيه كما رأينا في الأية الكريمة. وقد بينت الشريعة شروط القصاص ونرجع في ذلك إلى أهل التخصص من العلماء.
كما إني أشير إلى أن شرع الله تعالى عز وجل يدخل في مناحي الحياة كلها وليس حدودا وقصاصا فقط، كما يظن البعض فشرع الله يدخل في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي.. إلخ. وهذا لا يتعارض مع الاستفادة من التجارب الإنسانية وتقنين القوانين ما لم تصطدم بالثوابت، كالعدل والشورى، وغيرها كثير. قال تعالى: «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين»
وفي السعي لتطبيق شرع الله في بلادنا سعادة الدارين لشعبنا الحبيب قال تعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض»
وفي تطبيق شرع الله رفع للظلم وإقامة للعدل، واحترام للحريات، وإزالة للكآبة والتعاسة، والهم والغم من نفس المواطنين، قال الله تعالى: «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة». حياة الانقياد لأحكام الله والتسليم لأوامره وقضائه وقدره، والسير على منهجه وممارسة الإيمان بمفهومه القرآني الرباني، قال تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما».
أخي الكريم جمعة: غرضي من هذا الرد النصح والتذكير، كما أرجو من الله تعالى أن يسدد خطاك ويجعلك منافحا ومدافعا عن دينه فيما بقي من أيامك في هذه الدنيا بعد طول عمر وحسن عمل إن شاء الله تعالى، وأن يرزقنا جميعا فقه القدوم على الله والاستعداد للقائه، ولا يحرمنا من العمل بقوله: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين».
وبالنسبة لأبيات الشعر المتعلقة بمحبة الوطن، فقد كنت وأنا في مهجري وقبل رجوعي إلى الوطن الحبيب أردد قول الأستاذ الكبير والسياسي الشهير بشير السعداوي رحمه الله:
قالوا تحن إلى البلاد وأهلها ***** فأجبتهم هي بغيتي ومرادي
تالله لم أشغف بغير طلالها ***** ولا منيتي مالت لغير بلادي
في حب هاتيك الديار وأهلها ***** ذابت حشاشة مهجتي وفؤادي
بالله يا ريح الصبا ونسيمه ***** إن زرت يوما منزلا لسعادي
أبسط لها شوقي وفرط صبابتي ***** واهد تحياتي لها وودادي
واخفض جناح الذل عني وقل لها ***** أسرفت في هجري وفي إبعادي
حر النوى أوهى فؤادي وإنني ***** متهتك متمزق الأكباد
مذ غردت بالبين أغرب النوى ***** من بيننا ما ذاقت طعم رقادي
إلى أن قال:
لهفي على تلك الديار وأهلها ***** قوم لهم في المكرمات أياد
وكنت أردد قول الشاعر وأتغنى به
بلادي وإن جارت علي عزيزة ***** وأهلها وإن ظنوا علي كرام
ثم تبين لي أن بلاد الله لا تظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، بظلمهم لأنفسهم وظلمهم لخلق الله أعاذنا الله جميعا من الظلم.
أخي جمعة: أعانك الله وسدد خطاك في تحقيق أهدافك في هذه الدنيا العاجلة، وإنها لغاية جميلة بأن تدافع عن حقوق الإنسان في بلادنا، وتسعى في إشعال شموع ومصابيح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

علي محمد محمد الصلابي

علي محمد محمد الصلابي

ولد في مدينة بنغازي بليبيا عام 1383 هـ / 1963 م .

حصل على درجة الإجازة العالمية (الليسانس) من كلية الدعوة وأصول الدين من جامعة المدينة المنورة بتقدير ممتاز وكان الأول على دفعته عام 1413/ 1414 هـ الموافق 1992 / 1993م.

نال درجة الماجستير من جامعة أم درمان الإسلامية كلية أصول الدين قسم التفسير ? وعلوم القرآن عام 1417 هـ / 1996 م.

نال درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بمؤلفه فقه التمكين في القرآن الكريم. جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان عام 1999 م.

صدرت له عدة كتب من أهمها :

عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين .

الوسطية في القرآن الكريم .

السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث ? .

الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق شخصيته وعصره .

فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .

تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان .

أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .

سيرة أمير المؤمنين خامس الخلفاء الراشدين &?1575;لحسن بن علي بن أبي طالب .

فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح .